أحمد بن محمد القسطلاني
152
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
والشروط ومسلم في الإيمان والترمذي في البيعة . 58 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ قَالَ : سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ ، ثُمَّ قَالَ : اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ . ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ : أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ . فَشَرَطَ عَلَىَّ " وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ " . فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا ، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ . ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ . وبه قال : ( حدّثنا أبو النعمان ) محمد بن الفضل السدوسي بفتح السين الأولى نسبة إلى سدوس بن شيبان البصري المعروف بعارم بمهملتين المختلط بأخرة المتوفى بالبصرة سنة أربع عشرة ومائتين ( قال : حدّثنا أبو عوانة ) بفتح العين والنون الوضاح اليشكري ( عن زياد بن علاقة ) بكسر العين المهملة وبالقاف ابن مالك الثعلبي بالمثلثة والمهملة الكوفي المتوفى سنة خمس وعشرين ومائة . ( قال : سمعت جرير بن عبد الله ) البجلي الأحمسي الصحابي المشهور ، المتوفى سنة إحدى وخمسين ، وله في البخاري عشرة أحاديث أي سمعت كلامه ، فالمسموع هو الصوت والحروف فلما حذف هذا وقع ما بعده تفسيرًا له وهو قوله ( يقول ) قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى : { إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ } [ آل عمران : 193 ] أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع ( يوم ) بالنصب على الظرفية أضيف إلى قوله : ( مات المغيرة بن شعبة ) سنة خمسين من الهجرة وكان واليًا على الكوفة في خلافة معاوية واستناب عند موته ولده عروة ، وقيل استناب جريرًا ولذا خطب وقد : ( قام فحمد الله ) أي أثنى عليه بالجميل عقب قيامه وجملة قام لا محل لها من الأعراب لأنها استئنافية ( وأثنى عليه ) ذكره بالخير أو الأوّل وصف بالتحلّي بالكمال ، والثاني وصف بالتخلي عن النقائص ، وحينئذ فالأولى إشارة إلى الصفات الوجودية ، والثانية إلى الصفات العدمية أي التنزيهات ( وقال : عليكم باتقاء الله ) أي الزموه ( وحده ) أي حال كونه منفردًا ( لا شريك له والوقار ) أي الرزانة وهو بفتح الواو والجر عطفًا على اتّقاء أي وعليكم بالوقار ( والسكينة ) أي السكون ( حتى يأتيكم أمير ) بدل أميركم المغيرة المتوفى ( فإنما يأتيكم الأن ) بالنصب على الظرفية أي المدة القريبة من الآن فيكون الأمير زيادًا إذ ولاّه معاوية بعد وفاة المغيرة الكوفة ، أو المراد الآن حقيقة فيكون الأمير جريرًا بنفسه لما روي أن المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته ، وإنما أمرهم بما ذكره مقدمًا لتقوى الله تعالى ، لأن لغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى الاضطراب والفتنة سيما ما كان عليه أهل الكوفة إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور ، ومفهوم الغاية من حتى هنا وهو أن المأمور به وهو الاتقاء ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادًا ، بل يلزم عند مجيء الأمير بطريق الأولى وشرط اعتبار مفهوم المخالفة أن لا يعارضه مفهوم الموافقة . ( ثم قال ) جرير ( استعفوا ) بالعين المهملة أي اطلبوا العفو ( لأميركم ) المتوفى من الله تعالى ( فإنه ) أي الأمير والفاء للتعليل ( كان يحب العفو ) عن ذنوب الناس فالجزاء من جنس العمل ، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر : استغفروا لأميركم بغين معجمة وزيادة راء ( ثم قال أما بعد ) بالبناء على الضم ظرف زمان حذف منه المضاف إليه ونوى معناه وفيه معنى الشرط تلزم الفاء في تاليه والتقدير أما بعد كلامي هذا ( فإني أتيت النيي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلت ) لم يأت بأداة العطف لأنه بدل اشتمال من أتيت أو استئناف وفي رواية أبي الوقت فقلت له : يا رسول الله ( أبايعك على الإسلام . فشرط ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( علي ) بتشديد الياء أي الإسلام ( والنصح ) بالجر عطفًا على قوله الإسلام وبالنصب عطفًا على المقدر أي شرط عليّ الإسلام وشرط النصح ( لكل مسلم ) وكذا لكل ذمي بدعائه إلى الإسلام إرشاده إلى الصواب إذا استشار فالتقييد بالمسلم من حيث الأغلب ، ( فبايعته على هذا ) المذكور من الإسلام والنصح ، ( وربّ هذا المسجد ) أي مسجد الكوفة إن كانت خطبته ثم أو أشار به إلى المسجد الحرام ، ويؤيده ما في رواية الطبراني بلفظ : ورب الكعبة تنبيهًا على شرف المقسم به ليكون أقرب إلى القلوب ( إني لناصح لكم ) فيه إشارة إلى أنه وفى بما بايع به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأن كلامه عارٍ عن الأغراض الفاسدة ، والجملة جواب القسم مؤكد بأن واللام والجملة الاسمية ، ( ثم استغفر )